المقريزي

7

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

قال الكنديّ : وقال يزيد بن أبي حبيب : سمعت أشياخنا ممن حضر مسجد الفتح يقولون : وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيهم الزبير بن العوام ، والمقداد ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، وفضالة بن عبيد ، وعقبة بن عامر ، رضي اللّه عنهم . وفي رواية أسس مسجدنا هذا أربعة من الصحابة ، أبو ذر ، وأبو بصيرة ، ومحمئة بن جزء الزبيديّ ونبيه بن صواب . وقال عبد اللّه بن أبي جعفر : أقام محرابنا هذا عبادة بن الصامت ، ورافع بن مالك ، وهما نقيبان . وقال داود بن عقبة : أن عمرو بن العاص بعث ربيعة بن شرحبيل بن حسنة ، وعمرو بن علقمة القرشيّ ، ثم العدويّ ، يقيمان القبلة ، وقال لهما : قوما إذا زالت الشمس . أو قال : انتصفت الشمس ، فاجعلاها على حاجبيكما ففعلا . وقال الليث : إنّ عمرو بن العاص كان يمدّ الحبال حتى أقيمت قبلة المسجد . وقال عمرو بن العاص : شرّقوا القبلة تصيبوا الحرم . قال : فشرّقت جدّا ، فلما كان قرّة بن شريك تيامن بها قليلا ، وكان عمرو بن العاص إذا صلّى في مسجد الجامع يصلي ناحية الشرق إلّا الشيء اليسير ، وقال رجل من تجيب : رأيت عمرو بن العاص دخل كنيسة فصلّى فيها ولم ينصرف عن قبلتهم إلّا قليلا ، وكان الليث وابن لهيعة إذا صليا تيامنا ، وكان عمر بن مروان عمّ الخلفاء إذا صلّى في المسجد الجامع تيامن . وقال يزيد بن حبيب في قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ، هي قبلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التي نصبها اللّه عز وجل مقابل الميزاب ، وهي قبلة أهل مصر وأهل الغرب ، وكان يقرأها فلنولينك قبلة نرضاها بالنون . وقال هكذا أقرأناها أبو الخير . وقال الخليل بن عبد اللّه الأزديّ : حدّثني رجل من الأنصار أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتاه جبريل فقال : ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة ، ثم قال بيده ، فأماط كلّ جبل بينه وبين الكعبة ، فوضع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة ، وصارت قبلته إلى الميزاب . وقال ابن لهيعة : سمعت أشياخنا يقولون : لم يكن لمسجد عمرو بن العاص محراب مجوّف ، ولا أدري بناه مسلمة أو بناه عبد العزيز . وأوّل من جعل المحراب قرّة بن شريك . وقال الواقديّ : حدّثنا محمد بن هلال قال : أوّل من أحدث المحراب المجوّف عمر بن عبد العزيز ، ليالي بني مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذكر عمر بن شيبة أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة فأصبح مكتئبا ، فقالت له امرأته : ما لي أراك مكتئبا ؟ قال : لا شيء إلّا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي ، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ، ثم عملت خلوقا « 1 » فخلقتها ، فكانت أوّل من خلق القبلة . وقال أبو سعيد سلف الحميريّ : أدركت مسجد عمرو بن العاص طوله خمسون ذراعا

--> ( 1 ) الخلوق : ضرب من الطيب أعظم أجزائه الزعفران . وخلّقه : طيّبه بالخلوق .